الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

104

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

وما هو ؟ فقالت : أشهد أنك من المؤمنات الغافلات ، ثم أخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا على مرضي ، ثم دخل علي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقال : « كيف تيكم ؟ » فقلت له : ائذن لي أن آتي أبوي ، فأذن لي فأتيت أبوي فقلت لأمي : يا أماه ماذا يتحدث الناس ؟ فقالت : يا بنية هوني عليك فو اللّه ما كانت امرأة وصيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها ، ثم قالت : ألم تكوني علمت ما قيل فيك حتى الآن ، فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت ، فدخل علي أبي وأنا أبكي فقال لأمي : ما يبكيها قالت : لم تكن علمت ما قيل فيها حتى الآن . فأقبل يبكي ، ثم قال : اسكتي يا بنية فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي ، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ دخل علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فسلم ، ثم جلس ولم يجلس عندي منذ قيل فيّ ما قيل ، ثم قال : « أما بعد ، يا عائشة بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت برئية فسيبرئك اللّه ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللّه وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب اللّه عليه » . قالت : فلما قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مقالته فاض دمعي ، ثم قلت لأبي أجب عني رسول اللّه . فقال : واللّه ما أدري ما أقول ، فقلت لأمي : أجيبي عني رسول اللّه فقالت : واللّه ما أدري ما أقول فقلت واللّه لقد علمت أنكم قد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به فإن قلت لكم : إني بريئة لا تصدقوني ، وإن اعترفت لكم بأمر واللّه يعلم أني بريئة منه لتصدقوني ، واللّه لا أجد لي ولكم مثلا إلّا ما قال العبد الصالح أبو يوسف ، فصبر جميل واللّه المستعان على ما تصفون ، ثم تحولت واضطجعت على فراشي ، واللّه أنا أعلم أن اللّه يبرئني ، وكنت أرجو أن يرى رسول اللّه في النوم رؤيا يبرئني اللّه بها . قالت : فو اللّه ما قام رسول اللّه من مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل اللّه الوحي على نبيه ، فو اللّه ما سرى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى ظننت أن نفس أبوي ستخرجان فرقا من أن يأتي اللّه بتحقيق ما قال الناس . فلما سرى عنه وهو يضحك ، فكان أول كلمة تكلم بها ، أن قال : « أبشري يا عائشة قد برأك اللّه » « 1 » فقلت بحمد اللّه لا بحمدك ، ولا بحمد أصحابك . فقالت : أمي قومي إليه . فقلت : واللّه لا أقوم إليه ولا أحمد أحدا إلا اللّه الذي أنزل براءتي قالت : ولما نزل عذري قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن ، فلما نزل ضرب الحد على عبد اللّه بن أبي ومسطح ، وحمنة ، وحسان لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أي على كل امرئ من أولئك العصبة مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ أي جزاؤه فقدر العقاب يكون مثل قدر الخوض في الإثم ، وصار حسان أعمى أشل اليدين في آخر عمره ، ومسطح بن أثاثة وابن خالة أبي بكر الصديق ، مكفوف البصر وجلدت معهما امرأة من قريش وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ أي الذي تحمل أكثر الإفك من

--> ( 1 ) رواه أبو داود في كتاب النكاح ، باب : فيما يؤمر به من غضّ البصرة وأحمد في ( م 5 / ص 353 ، 357 ) .